عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
139
اللباب في علوم الكتاب
مؤولا على اسم صريح ، أي : فهل لنا من شفعاء بشفاعة منهم لنا ؟ قوله : « أو نردّ » الجمهور على رفع « نردّ » ونصب « فنعمل » ، فرفع « نردّ » على أنه عطف جملة فعليّة ، وهي « نردّ » على جملة [ اسميّة ] وهي : هل لنا من شفعاء فيشفعوا ؟ ونصب « فنعمل » على ما انتصب عليه « فيشفعوا » ، وقرأ الحسن « 1 » برفعهما على ما تقدّم ، كذا روى عنه ابن عطية وغيره ، وروى عنه الزمخشري نصب « نردّ » ورفع « فنعمل » . وقرأ أبو حيوة « 2 » ، وابن أبي إسحاق بنصبهما فنصب « نردّ » عطفا على « فيشفعوا » جوابا على جواب ، ويكون الشفعاء في أحد شيئين : إمّا في خلاصهم من العذاب ، وإمّا في رجوعهم للدّنيا ليعملوا صالحا ، والشّفاعة حينئذ [ مستحبة ] على الخلاص أو الرّدّ ، وانتصب « فنعمل » نسقا على « فنردّ » . ويجوز أن تكون « أو نردّ » من باب « لألزمنّك أو تقضيني حقّي » إذا قدرناه بمعنى : حتّى تقضيني ، أو كي تقضيني ، غيّا اللزوم بقضاء الحق ، أو علله به فكذلك الآية الكريمة أي : حتى نردّ أو كي نرد ، والشفاعة حينئذ متعلّقة بالرّدّ ليس إلّا . وأمّا عند من يقدّر « أو » بمعنى « إلّا » في المثال المتقدم وهو سيبويه « 3 » ، فلا يظهر معنى الآية عليه ؛ إذ يصير التقدير : « هل يشفع لنا شفعاء إلا أن نردّ » ، وهذا استثناء غير ظاهر . فصل في معنى الآية المعنى أنّه لا طريق لنا إلى الخلاص مما نحن فيه إلا أحد هذين الأمرين ، وهو أن يشفع لنا شفيع فيزول عنّا هذا العذاب ، أو نردّ إلى الدّنيا حتى نعمل غير ما كنّا نعمله حتى نوحد اللّه بدلا عن الكفر . ثمّ بيّن تعالى أنّهم « قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ » . أي الذي طلبوه لا يكون ؛ لأن ذلك المطلوب لو حصل لما حكم اللّه عليهم بأنّهم قد خسروا أنفسهم . قوله : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . « ما كانوا » « ما » موصولة عائدها محذوف ، و « ما كانوا » فاعل « ضلّ » ، والمعنى : أنّهم لم ينتفعوا بالأصنام التي عبدوها في الدّنيا . فصل في دحض شبهة للمعتزلة قال الجبّائيّ « 4 » : هذه الآية تدل على حكمين :
--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 408 ، البحر المحيط 4 / 308 ، الدر المصون 3 / 279 ، وينظر رواية النصب في : الكشاف 2 / 109 . ( 2 ) ينظر : المصادر السابقة . ( 3 ) ينظر : الكتاب لسيبويه 1 / 427 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 79 .